الرئيسة  |  الموقع الإسلامي                                                          

مكر الله العظيم

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ[1].

يخبر الله عزَّ وجلَّ عبده ورسوله محمدًا صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أن قومه من كفار قريش يمكرون به لسجنه أو قتله أو إخراجه من بلده وأهله، إضافة إلى ما فعلوه من تشويه ذكره وسمعته بوصفه شاعر ومجنون وساحر وكذاب.. وهذا هو الغالب من صنيع أعداء الإسلام ممن يريدون المؤمنين والمسلمين بسوء وشر مهما تغير الزمان والمكان، حتى عندما لا يوجد أي مبرر أو سبب لقيامهم بذلك ضد المسلمين قاموا بالتخطيط والمكر وافتعال الأحداث الإرهابية ونسبوها للمسلمين لتكون هي المبرر والسبب لشن عمليات القتل والتهجير والسجن والتدمير وغير ذلك مما أعدوه في دوائرهم السرية ليرتكبوه في حق المسلمين، ولتشويه صورة المسلمين وسمعتهم ومنع الإسلام من الانتشار وتنفير الناس من الدخول فيه وترك أديانهم. ولكن ماهي نتائج مثل هذا المكر وما هي سنة الله في هذا الأمر؟

قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ[2]. إن الله تعالى بقدرته وجبروته وهو رب العالمين يجعل مكرهم وأفعالهم السيئة بالمسلمين هي نفسها سببًا في تحقيق ووقوع ما يمكرون من أجل عدم وقوعه وهو انتشار الإسلام؛ فيزداد الإسلام انتشارًا ويدخل الناس فيه أفواجًا ويتركون ما كانوا عليه من الشرك والكفر؛ ذلك لأن قلوب البشر بيد خالقهم وليس بيد ساستهم وساداتهم وكبرائهم.

ومن المناسب هنا ذكر حديث النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم عن الغلام المؤمن والملك الكافر الذي أمر أصحابه بقتل الغلام إن لم يرجع عن دينه حيث كان الملك يخشى اهتداء الناس إلى الإيمان بالله بسبب الغلام، ولكن جميع المحاولات المتنوعة لقتل الغلام فشلت وكان أصحاب الملك هم الذين يُقتلون في المحاولة، وكان الغلام بعد كل محاولة يعود إلى الملك فيفاجأ الملك برؤيته بمفرده دون أصحابه الذين أمرهم بقتل الغلام حتى أسقط في يده وهنا قال الغلام للملك: «إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، قال: وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد، وتصلبني على جذع، ثم خذ سهمًا من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل: باسم الله رب الغلام، ثم ارمني، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني. فجمع الناس في صعيد واحد، وصلبه على جذع، ثم أخذ سهمًا من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال: باسم الله رب الغلام، ثم رماه، فوقع السهم في صدغه، فوضع يده في صدغه في موضع السهم فمات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، فأُتِيَ الملك فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر؟ قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس»[3]. لقد ظن الملك الكافر أن قتل الغلام سيحقق له ما يريد من صد الناس عن الإيمان بالله، ولكن الله تعالى الذي بيده ملكوت كل شيء وهو رب الأسباب وخالقها قد جعل قتل الملك للغلام نفسه سببًا في إيمان الناس بالله رب الغلام ورب الناس أجمعين، فوقع بذلك ما كان الملك يمكر ويخطط من أجل عدم وقوعه. وهكذا يصنع الله بأعداء المسلمين الذين يمكرون ليلاً ونهارًا من أجل عدم انتشار الإسلام.

هذا عدا عما يعاقب الله به الماكرون بسبب مكرهم بالمسلمين من إحاقة مكرهم السيئ بهم مع ما توعدهم الله به من العذاب الشديد، وهذه هي سنة الله في هذا الأمر، قال تعالى: ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا[4]. فأعداء الإسلام يمكرون مكرًا بالمسلمين والله عزَّ وجلَّ يمكر مكرًا بأعداء الإسلام والذي يتحقق على أرض الواقع هو مكر الله وليس مكرهم؛ قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (50) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ[5].

ولو تأملت ماذا حدث وماذا يحدث عقب كل حرب يشنها بلد ما على المسلمين، أو بعد كل عملية إرهابية يفتعلوها وينسبوها لمسلمين لتشويه صورتهم وسمعتهم ولتكون مبررًا لهم لشن حرب على المسلمين أو حملات اعتقال وقتل بحقهم.. لوجدت أن هناك إقبالاً كبيرًا للتعرف على الإسلام من قبل مواطني هذا البلد نفسه ودخول أعداد كبيرة منهم في الإسلام وبعضهم من الشخصيات المهمة الدينية والسياسية والرياضية والفنية وغير ذلك. وكم رددت أعداد كبيرة من الرجال والنساء الذين دخلوا في الإسلام هذه العبارة: ((إن شيطنة الإسلام دفعتني لاعتناقه)).

وقد كان هذا المكر بالمسلمين قديمًا ولا يزال في زمننا وسوف يستمر مستقبلاً تعرض المسلمين للمحن والابتلاء والسجن والقتل والتهجير لأن الحرب بين الإيمان والكفر قائمة ومستمرة إلى قيام الساعة، وفي المقابل ستستمر سنة الله في أن تكون أفعال أعداء الإسلام بالمسلمين لتنفير الناس من الإسلام هي نفسها سببًا في انتشار الإسلام ودخول الناس فيه أفواجًا.

وقد يتبادر إلى ذهن المتأمل في مكر الله تساؤلاً وهو أنه إذا كانت هذه هي سنة الله في مكر أعداء الإسلام وأن هذه هي المعادلة في أن أفعال أعداء الإسلام العدائية والإجرامية والإرهابية بحق المسلمين تؤدي إلى عكس ما يريدونه ويخططون له من تشويه صورة الإسلام وتنفير الناس منه وتكون سببًا في إقبال الناس على الدخول في الإسلام؛ أفلا يعتبرون بذلك وينتبهون إلى هذا السر فيبدلون طريقتهم ونهجهم ويقومون بعكس ما يفعلونه مع المسلمين، وبدلاً من المكر بالمسلمين ومحاربتهم، يتوددون إليهم ويكرمونهم ويحفظون كرامتهم أملاً في وقف الدخول في الإسلام والحد من انتشاره..؟ فالجواب: لا يستطيعون! ولو كانوا يستطيعون لاستطاع أبو لهب أن يعكس ما نزل فيه من القرآن من أنه ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ[6]، إنه لم يستطع حتى على سبيل النفاق فيبطن شركه ويعلن إسلامه بغرض تكذيب ما نزل في حقه من القرآن؛ فبقي على كبره وعناده وشركه وكفره ومات على ذلك فاستحق النار. إنه الكبر والعناد وما أدراك ما الكبر والعناد؟! وهكذا أعداء الإسلام لا يستطيعون سوى أن يظلوا على كبرهم وعنادهم وحسدهم ومحاربتهم للإسلام والمسلمين، بل يود كثير منهم لو يجعلوا المسلمين كفارًا كما وصفهم الخالق تبارك وتعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ[7].

وهكذا تستمر سنة الله في تعرض المسلمين للمكر والمحن والابتلاء على أيدي أعدائهم حتى يلقون الله وهم أطهار أنقياء بلا خطايا فيدخلهم الجنة، كما أخبر رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة»[8]. ولهذا أمر الله عباده بالصبر على مكر أعدائهم بهم، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ[9]. وبالوقت نفسه يستمر بسبب ذلك انتشار الإسلام ودخول الناس فيه أفواجًا؛ وهذا هو ما يحصل في هذا الزمان في كل البلدان حتى يأتي الزمان الذي سيكون فيه كل أهل الأرض من المسلمين المؤمنين وبذلك يظهر الإسلام على كل الأديان وهو ما أخبر به رب العالمين وخالق الناس أجمعين فقال الله تعالى في كتابه المبين: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ[10]. وقد بشر بذلك رسوله محمد : «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز، أو بذل ذليل، عزًا يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل به الكفر»[11].

فأعداء الإسلام يريدون محو الإسلام وينفقون في سبيل ذلك الأموال الطائلة ولكن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ[12]. فيأبى الله إلا أن يظهر دينه الحق على كل الأديان: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ[13].

وختامًا أسأل الله تعالى أن يوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علَّمنا، وأن ينفع بنا غيرنا من المسلمين، وأن يتوفانا مسلمين ويلحقنا بالصالحين ويحشرنا في جنات النعيم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا.

عدنان الطَرشَة


[1] الأنفال: 30.

[2] الأنعام: 123.

[3] مسلم 73.

[4] فاطر: 43.

[5] النمل: 50-51.

[6] المسد: 3.

[7] البقرة: 109.

[8] صحيح سنن الترمذي 1957.

[9] آل عمران: 120.

[10] التوبة: 33.

[11] سلسلة الأحاديث الصحيحة، رقم: 3.

[12] الأنفال: 36.

[13] التوبة: 32.