الرئيسة  |  الموقع الإسلامي                                                          

الحمار

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

إن من الشائع عند الناس حين يرتكب شخص خطأً ما أو يعمل عملاً فيه غباء أن يقال له: يا حمار! أو يقال له بتعجب: هل أنت حمار؟! والمقصود توبيخ وإهانة هذا الشخص على ما ارتكبه من غباء وقلة فهم. ومن جهة أخرى فإن هذا القول يعني أن الحمار غبي ولا يفهم ويرتكب الأخطاء ويقوم بالأعمال الغبية إلى غير ذلك.. فهل هذا صحيح؟!

لقد قدَّر الله لي أن أكتشف بنفسي أن وصف الحمار بهذه الصفات السيئة هو خطأ جسيم واتهام باطل تمامًا؛ لأنني من خلال القصة التي سأرويها اكتشفت أن في الحمار صفات عدة حميدة وجيدة.

ففي أحد الأيام كنت أقود سيارتي وأمر من خلال قرية فظهر أمامي حصان وحمار يمشيان جنبًا إلى جنب في وسط الطريق ويحملان على ظهريهما كومة من الحطب، ولفت نظري عدم وجود أي شخص معهما يقودهما بل يسيران بكل ثقة باتجاه مكان يعرفانه؛ فلم أشأ أن أزعجهما ببوق سيارتي لكي يتنحيا عن الطريق لكي أمر وأواصل سيري، بل أبطأت السير وقررت السير خلفهما لمعرفة وجهتهما وللتفكر في حالهما.

وبقيت معهما كذلك حتى وصلا إلى طريق فرعي يتجه يسارًا فانحرفا ودخلا به بعد أن غادرا الطريق الرئيس وبذلك أصبح الطريق أمامي سالكًا لكي أواصل السير أمامًا، إلا أنني قررت أن أتبعهما لمراقبتهما ولمعرفة ما الذي سيفعلانه في نهاية المطاف، فانعطفت يسارًا وسرت خلفهما. وبعد عدة مئات من الأمتار وصلا إلى بيت على يسار الطريق وكان بجانب البيت باحة صغيرة فانحرفا يسارًا ودخلا إلى هذه الباحة بالذات على الرغم من وجود بيوت أخرى وبها باحات في هذا الطريق من القرية، وبعد أن دخلا إلى باحة البيت توقفت بسيارتي وواصلت مراقبتهما حيث وقفا في الباحة بانتظار قدوم أحد ما لإنزال الحمولة التي يحملانها على ظهريهما وربما ليعودا بعد ذلك إلى صاحبهما لكي ينقلا حمولة أخرى من الحطب؛ فجلست أتأمل في هذا المشهد وأفكر بما رأيته من الحصان والحمار فاكتشفت عدة أمور وكذلك عدة صفات حسنة يتمتعان بها.

ولأن موضوعي هنا عن الحمار بالذات لذا سأركز الكلام عنه دون الحصان. وما سأذكره عن الحمار هو ما اكتشفته شخصيًا من خلال هذه القصة والتجربة الشخصية وهو ليس كل شيء عن الحمار بل لعل هناك في علم الحيوان صفات أخرى حسنة للحمار لم أذكرها هنا؛ فلأجل صفاته ومزاياه المتعددة ومكانته عند العرب وخدماته الكبيرة لهم أطلقوا عليه حوالي خمسين اسمًا، وعدة ألقاب كان من بينها (أبو صابر).

فأولاً؛ لقد خلق الله تبارك وتعالى الحمار وأودع فيه من الصفات التي تناسب خلقه والعمل الذي خُلِق من أجله؛ فهو تعالى ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ[1]، وهو عزَّ وجلَّ ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى[2]. وقد هدى الحمار إلى وظيفته التي يقوم بها على أكمل وجه في خدمة الإنسان. ومن وظيفته: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (7) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ[3]. وقد كان هذا الحمار الذي أراقبه يحمل حملاً ثقيلاً من الحطب يعجز عن حمله صاحب الحمار وكان يسير بهذه الحمولة وهو راضٍ غير متأففٍ ولا شاكٍ من هذا العمل الشاق مما يعني أن لديه مجموعة من الصفات الحسنة والجيدة التي يفتقدها كثير من البشر ومنها:

- الصبر والتحمل على العمل ولو كان شاقًا؛ وهو ما يفتقده كثير من العمال والموظفين.

- الإخلاص في العمل وإتقانه فلا لهو ولا تضييع للأوقات سدى؛ وهو ما يفتقده كثير من الناس الذين لا يتقنون عملهم ويضيعون كثيرًا من أوقات عملهم إما في اللهو أو لقضاء مصالحهم الشخصية على حساب وقت العمل الذي يقبضون عليه مالاً.

- الموالاة لصاحبه وليس إلى غيره؛ على عكس ما يفعل بعض الناس الذين يأتيهم خير كثير من شخص ما فيعادونه ويوالون غيره.

- معرفة عنوان صاحبه فيتوجه إليه تحديدًا ولا يتوجه إلى مكان آخر؛ وهذا بحد ذاته ذكاء وذاكرة قوية؛ في حين أن كثيرًا من الناس ينسون الطريق الذي سبق أن سلكوه إلى مكان ما ربما أكثر من مرة، أو ينسون طريق العودة منه.

- التآلف الاجتماعي؛ ففضلاً عن ألفة الحمار مع صاحبه فهو متآلف مع غيره من الحيوانات ويشاركهم في العمل؛ وهو ما لا يفعله بعض الناس الذين يتكبرون ويتعالون على من هم من جنسهم من بني البشر، ويتهربون من مساعدة الآخرين أو مشاركتهم في أعمالهم.

- الانصياع واتباع الأوامر حتى وإن كان من طفل صغير دون تكبر أو اعتراض أو عناد؛ وهو ما يفتقده بعض الناس الذين يتكبرون على من يأمرهم أو يطلب منهم طلبًا، أو يعترضون لكي لا يقوموا بتنفيذ الأوامر حتى وإن كانت من رؤسائهم.

- تواضعه لصاحبه ولغيره من الناس ممن يحتاجون إلى خدمته في التوصيل فيسمح لهم بالركوب عليه وتوصيلهم؛ وهناك بعض الناس لا يسمحون بركوب أحد معهم في سياراتهم وتوصيلهم وإن كانوا يقصدون المكان نفسه.

- عدم الغضب وتحمل الظلم من صاحبه ولو كان يضربه بالعصا؛ وهو مما لا يستطيع تحمله كثير من البشر الذين تجد منهم من يطلق عليك الرصاص من أجل كلمة، أو في أقل الأحوال يقاطعك مدى الحياة بسبب كلمة عتاب منك أو نصيحة مخلصة له.

- الرضا بما قسمه الله له والقناعة بواقعه الحقيقي أنه حمار والرضا بما يقدم له على هذا الأساس من طعام ومأوى؛ على العكس من كثير من الناس الذين لا يرضون بما قسمه الله لهم من مال أو وظيفة أو مسكن ويطمعون دائمًا إلى المزيد و﴿يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ[4]، ولا يقنعون بواقعهم مع تردديهم قول: (القناعة كنز لا يفنى)، أو تعليقهم لهذا القول في لوحة على جدران بيوتهم أو في محالهم التجارية وهم أبعد الناس عن العمل بها أو الإيمان بها.

- حتى صوت الحمار المنكر المرتفع والمزعج الذي أمر الله تعالى الإنسان بالغض من صوته وعدم رفعه، ونهاه عن التشبه بصوت الحمار العالي المرتفع فقال تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ[5]؛ لأن رسول الله قال: «ليس لنا مثل السوء، الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه»[6]؛ أي لا ينبغي لنا أن نتصف بصفة ذميمة نشابه فيها صفة سيئة لبعض الحيوانات، إلا أن هناك الكثير من الناس تعلو أصواتهم فوق صوت الحمير وأكثر إزعاجًا منها وليس منها أي فائدة؛ على عكس صوت الحمار الذي مع علوه وارتفاعه ففيه فائدة عظيمة يقدمها لبني البشر وخاصة المسلمين؛ فقد قال رسول الله : «إذا سمعتم نهيق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان فإنه رأى شيطانًا»[7]. أليست هذه خدمة عظيمة يقدمها الحمار لبني البشر بتبليغهم بوجود شيطان في الحي لكي يبادروا إلى التعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم؟!

وهكذا يتبين لنا أن من يقول لآخر: يا حمار! أو هل أنت حمار؟! فإنه لا يقوم بتوبيخه وإهانته بل إن ذلك في الحقيقة مدح له للصفات الحسنة المذكورة آنفًا التي لدى الحمار؛ أما الغبي والضال والذي لا يبصر الحقيقة ولا يسمعها فليس حمارًا بل هو أقل شأنًا من ذلك بتقرير رب العالمين الذي قال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ[8].

لقد تمنيت لو أن اختراع الهاتف الجوال كان في ذلك الزمن الذي حدثت فيه هذه القصة مع الحمار إذ لقمت بتصوير ما رأيته بالفيديو والصور، ولكن قد صار في هذا الزمن مقاطع فيديو تعبر عما أقوله هنا عن الحمار، وهذا رابط لمقطع فيديو يبرهن فيه الحمار على ذكائه وتهذيبه حيث يقوم بالتنحي عن الطريق ليفسح المجال لمرور السيارة التي وصلت خلفه ثم يعود إلى الطريق بعد أن تتجاوزه، في حين أننا سمعنا عن كثير من المشكلات والاعتداءات بالضرب قد حدثت بين سائقي سيارتين لم يفسح أحدهما الطريق للآخر، بل حدث في عدة حالات في بعض البلدان إطلاق نار وقتل بسبب أفضلية المرور!. https://youtu.be/mzs83igNR2g

وختامًا أسأل الله تعالى أن يجنبنا أن نكون كالأنعام أو أضل منها، بل أسأله تعالى أن يجعلنا من أهل هذه الآية: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ[9]، وأدعوه عزَّ وجلَّ ان يوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علَّمنا، وأن ينفع بنا غيرنا من المسلمين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا.

عدنان الطَرشَة


[1] سورة السجدة: 7.

[2] سورة طه: 50.

[3] سورة النحل: 5-8.

[4] سورة النساء: 54.

[5] سورة لقمان: 19.

[6] البخاري.

[7] البخاري ومسلم.

[8] سورة الأعراف: 179.

[9] سورة الزمر: 18.