الرئيسة  |  الموقع الإسلامي                                                          

الحقد أعمى وقاتل

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

الحِقْد: الضِغْن، وهو حمل العداوة والبغض والنقمة والغضب والحسد في القلب، وإضمار الشر له إذا لم يتمكن من الانتقام منه وتربص فرصة الإيقاع به.

والحقد يثمر أمورًا منكرة منها: أن يحملك الحقد على أن تتمنى زوال النعمة عنه، فتغتم بنعمة إن أصابها، وتسر بمصيبة إن نزلت به، وتشمت بما أصابه من البلاء. أن تمتنع عن إعطاء حقه أو تسلبه إياه. أن تتكلم فيه بما لا يحل من كذب، وأحاديث إفك، ووصفه بصفات كاذبة، واتهامه باتهامات باطلة. أن تكيد له كيدًا. أن تمكر له مكرًا. أن تؤذيه بالضرب المباشر أو القتل، فإن لم تفعل ذلك بنفسك حرضت غيرك عليه، وبذلت جهدك في دفع المال وشحن النفوس ضده ليتم لك ما تريد من التشفي والانتقام.

الحاقد والمحقود عليه: لو تأمل المنصف والباحث عن الحقيقة في البلاد والعباد لوجد أنه في معظم الحالات فإن الحاقد يكون هو صاحب الباطل والمحقود عليه هو صاحب الحق، ولو أخذنا مثالاً على ذلك الدين لوجدنا أن غير المسلمين هم الحاقدون وأن المسلمين هم المحقود عليهم، وذلك لعدة أسباب أهمها أن المسلم هو صاحب النعمة الكبرى التي أنعم الله بها عليه وهي الإسلام فليس عنده أي دافع للحقد على غير المسلمين لأنه ليس عندهم ما يحسدهم عليه أو يحقد عليهم من أجله، بل إن المسلم يحمد الله الذي عافاه مما ابتلاهم به من الضلال والشرك والكفر وما شابه ذلك، أما غير المسلم فهو الذي يحقد على المسلمين لما لديهم من النعم الكثيرة وعلى رأسها الشريعة الإسلامية التي تحتوي على ما يجعل غير المسلمين إما أن يدخلوا فيها وينالوا هذه النعم، وإما أن يرفضوها ويتمسكوا بما وجدوا عليه أباءهم فتمتلأ قلوبهم حسدًا وحقدًا على المسلمين.

ولا تظنن أن الحقد قاصر على غير المسلمين ضد المسلمين، بل إنه موجود بين المسلمين أنفسهم! كيف يكون ذلك؟ وهل يُعقل أن يحقد المسلمون على إخوانهم المسلمين والإسلام يحرم أن تكون مثل هذه الأمور السيئة بين المسلمين والرسول صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: «لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى ههنا - ويشير إلى صدره ثلاث مرات - بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه»[1]؟! ليس كل المسلمين على درجة واحدة من الالتزام بالشريعة الإسلامية وبما جاء في القرآن والسنة من الفرائض والواجبات والسنن، فالبشر بشكل عام متفاوتون في الهمة، وكذلك هم متفاوتون في درجة الالتزام بأركان الدين وتعاليمه فهم على درجات متعددة تبدأ من الأدنى وهم الذين يلتزمون ببعض الإسلام ويتركون بعض، إلى الأعلى الذين يجتهدون للالتزام بكل الإسلام، والواقع يشهد بوجود ذلك، ثم في الآخرة هناك الدرجات المناسبة لهذا التفاوت التي ذكرها القرآن حيث يوجد مقربون، وأصحاب يمين، بل وهناك ممن في الدنيا محسوبون على الإسلام ولكنهم منافقون وإن صاموا وصلوا وزعموا أنهم مسلمون كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «آية المنافق ثلاث وإن صام وصلَّى وزعم أنه مسلم»[2].

والواقع يشهد بأن الحقد يكون عادة عند المسلمين أصحاب الدرجات الأدنى ضد المسلمين أصحاب الدرجات الأعلى الذين لا يرون عند من هم أدنى منهم في الالتزام بالإسلام ما يجعلهم يحقدون عليهم، بل هم يحمدون الله الذي عافاهم مما ابتلى أولئك من ترك بعض الفرائض والواجبات والسنن، وممارسة بعض المخالفات والمعاصي. أضف إلى ذلك أن بعض المذاهب تتبع سياسة شحن أتباعها وملء قلوبهم حقدًا على أتباع المذاهب الإسلامية الأخرى. وهكذا تجد أنه نعم...! هناك مسلمون يحقدون على إخوانهم المسلمين، بل هناك ما هو أفظع من الحقد بما لا يقارن به.

إنه من الطبيعي للإنسان وهو يسمع بوقوع مثل ذلك من طرف الحاقدين ضد المحقود عليهم أن يتساءل باستغراب وتعجب شديدين: ماذا فعل المحقود عليهم للحاقدين حتى يستحقوا ذلك؟! هل قتلوا أحدًا من أقربائهم، أو سرقوهم، أو اعتدوا عليهم بالضرب والإهانة، أو غير ذلك من أفعال الأذى والشر؟! وستتعجب أكثر حين تعرف الجواب أنه لم يحصل أي شيء من ذلك...! إذًا لماذا هذا الحقد والأذى والقتل...؟! والجواب هو كلمة واحدة فقط: (البرمجة).

إن طرق نشوء الحقد متعددة، وأحد هذه الطرق هي التربية والتعويد والتغذية والتعليم منذ الصغر، وهو ما سوف أختصره بمصطلح (البرمجة) وهي لغة عصر الحاسوب الآلي.

إن تغذية الحقد منذ الصغر وتربية الأطفال عليه وبرمجتهم هو أخطر أنواع الحقد، وهذا النوع من الحقد غالبًا يكون أعمى وقد يتفاقم مع مرور الزمن ليصبح قاتلاً. إن برمجة الطفل تتم بطرق متعددة وحتى دون قصد من الوالدين في بعض الحالات؛ فالطفل الذي يسمع والديه يتحدثان باستمرار بالبغض والغضب والحقد على قوم ما ويقومان بأفعال تدل على ذلك يتبرمج تلقائيًا على بغض هؤلاء القوم ويحقد عليهم ويستهزأ بهم؛ وهكذا تجد على سبيل المثال الطفل الذي لا حول له ولا قوة ولا أي تاريخ أو أحداث أو خصومة مع قوم ما أو جنسية ما يتبرمج على بغض هؤلاء والحقد عليهم.

فكيف يكون الحقد أعمى؟!. إن هذا الحقد يصبح جزءًا لا يتجزأ من نفس الإنسان ويصعب التخلص والشفاء منه كما قيل: التعليم في الصغر كالنقش على الحجر. فصاحب هذا الحقد عندما يكبر يتصرف بطريقة تلقائية بلا وعي منه بحسب الحقد الذي تمت برمجته عليه تمامًا كما يعمل أي برنامج حاسوب بحسب ما تمت برمجته عليه. فهو لا يرى حقيقة الشيء الذي يحقد عليه كالأعمى الذي لا يرى الأشياء.

إن الحقد يكون على أفراد أو جماعة أو أصحاب جنسية أو قوم من عرق ما أو أتباع دين ما أو غير ذلك.. إذ يكبر الطفل ويكبر معه حقده، وعندما تجد حاقدًا وتسأله عن سبب حقده على أولئك القوم لا يستطيع الإجابة، فتسهل الأمر عليه وتسأله هل ضربوك؟ هل قتلوا أحد أقاربك؟ هل سرقوك؟ هل اعتدوا على نسائك؟ هل..؟ هل..؟ يجيبك بلا على كل هذه الأسئلة! إذًا.. لماذا كل هذا الحقد عندك عليهم إلى درجة أنك تتمنى لهم كل شر وكل خراب وتدمير؟! إنها البرمجة! لقد تمت برمجتك على الحقد عليهم منذ الصغر دون أي إرادة منك وإن ما تظهره من حقد عليهم ليس إلا نتيجة لهذه البرمجة دون أن يكون بينك وبينهم مباشرة أي سبب يدعوك للحقد عليهم، ومثلك في هذه الحالة كمثل الإنسان الآلي (الروبوت) الذي يتحرك بل وينطق بحسب ما تمت برمجته عليه[3].

كيف ستعرف أن برمجتك كانت صحيحة ولم تكن خاطئة ضد هؤلاء القوم؟ لن يعترف أحد بأن برمجته كانت خاطئة أو أن برمجته تمت على برنامج فاسد مليء بالفيروسات الضارة بنفسه البشرية كما تضر الفيروسات وتخرب الحاسوب فيصبح عمله غير طبيعي وغير صالح وفي بعض الحالات يحتاج إلى تهيئة (فورمات)...! قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصراه أو يمجسانه»[4]. وهذا يعني أن الطفل يولد على فطرة سليمة وعقيدة صحيحة وهي الإسلام، ثم يقوم أبواه ببرمجته على عقيدتهم التي تمت برمجتهم هم أيضًا عليها من قبل والديهم؛ فإما يهودية أو نصرانية أو مجوسية أو شركية أو إلحادية أو غير ذلك. فكل واحد من هؤلاء الذين تمت برمجتهم من قبل والديهم على إحدى هذه العقائد يؤمن بأن برمجته صحيحة وأن عقيدته هي الحق والأخرى باطلة، ومن المستحيل أن تكون كل العقائد حق وليس هناك عقائد باطلة؛ لأن الحق واحد وهو واحد فقط من هذه العقائد وليس الحق اثنين منها أو ثلاثة أو أكثر. وهكذا تجد أن التابع لإحدى هذه العقائد قد تمت برمجته على الحقد على أصحاب عقيدة أخرى غير عقيدته بطريقة تلقائية غير واعية وغير مسيطر عليها وهو يظن أنه يتصرف بإرادته وبوعي كامل منه. وبالمناسبة فإن العقائد الأخرى على اختلافها مع بعضها إلا أنها اتفقت وأجمعت على محاربة الإسلام والمسلمين وتقوم على برمجة أتباعها على بغض الإسلام والحقد على المسلمين بالذات، ولعل في ذلك تسلية للمسلمين ودلالة على أنهم على العقيدة الصحيحة والدين الحق المقبول عند الله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ [5]، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [6].

فهذا مثال على الكيفية التي يكون عليها كل من تمت برمجته منذ الصغر على الحقد على أناس ما، والحاقد من هؤلاء إذا كان لديه بعض الثقافة ويخجل أن يظهر بمظهر (الروبوت) الذي تمت برمجته ويتصرف دون وعي منه تجده يبدأ باختلاق أسباب لحقده لا علاقة مباشرة له بها، وإنما لكي يبرر سبب حقده فحسب، فيقول لك مثلاً عن الذين يحقد عليهم: إنهم يقولون كذا عن فلان وفلان.. ويفعلون كذا بفلان وفلان.. ويخططون لكذا وكذا.. وهو لا يدري أنه حتى بذلك لم يخرج عن البرمجة لأنه يردد ما سمعه من الناس الذين يحقدون على هؤلاء القوم؛ وهذا إن كان مسلمًا ويحقد على مسلمين فهو بحسب الشريعة الإسلامية يخاطر بنفسه في أن ينطبق عليه حديث النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: «كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع»[7]. أي لو حدَّث الإنسان بكل ما يسمعه لصار مروجًا للكذب؛ لأنه ليس كل ما يسمعه هو صدق محض بل هناك أيضًا كذب، فإذا حدَّث بكل ما يسمعه حدَّث بالكذب لا محالة وفي ذلك مخالفة صريحة للدين، يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [8]. أي لا تتهم أحدًا أو تخبر عنه بما ليس لك به علم وستكون مسؤولاً عن ذلك يوم القيامة.

إلى جانب البرمجة منذ الصغر فقد ظهر في العصر الحديث برمجة من نوع آخر أخطر بكثير من البرمجة في الصغر، ويتمثل خطرها في أنها تعمل بوظيفتين: إحداها تمسح عند الرجل ما تمت برمجته عليه في الصغر، والأخرى تعيد برمجته على أشياء جديدة، هذه البرمجة هي كالسحر، قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إن من البيان لسحرًا»[9]. (البيان) أي الفصاحة وتحسين القول، (سحرًا) أي ما يشبه السحر من حيث جلب القلوب والغلبة على النفوس والتأثير عليها؛ فما هي هذه البرمجة الجديدة؟ إنها: التلفاز...! فما يظهر فيه من بيان على ألسنة الأشخاص الذين يظهرون فيه يعمل عمل السحر فيجلبون القلوب ويغلبون النفوس ويؤثرون عليها حتى صار بالإمكان مسح ما في دماغ الإنسان من برمجة قام بها والديه في صغره وإعادة برمجته من جديد حتى ولو كان رجلاً وهو ما يسمونه (غسل الدماغ)! أو أحد المصطلحات التي باتت شائعة وتأتي قبل كلمة (الرأي العام) مثل: تعبئة الرأي العام، تهيئة الرأي العام، تشكيل.. توجيه.. حشد.. تجييش.. تأليب.. شَغل.. إثارة.. تضليل.. تحريض.. وما شابه ذلك. فهذه الطرق تُستخدم باستمرار كلما كان هناك قضية ما تحتاج إلى برمجة أدمغة الناس عليها. كما أنه وإن كان هناك وسائل إعلامية أخرى مثل الإذاعة أو برامج ومواقع التواصل الاجتماعي وغير ذلك تستخدم هذه الطرق لخدمة القضية نفسها إلا أن التلفاز يبقى أقوى سحرًا.

فإن كان هذا العمل هو لصالح الإنسان ولما فيه الخير وحسن العاقبة له في الدنيا والآخرة وإرشاده إلى الحق ولما يحبه الله ويرضاه فنعمت التربية هذه ونعمت البرمجة، أما إذا كان هذا العمل ليس لصالح الإنسان بل لما فيه الشر وسوء العاقبة له في الدنيا والآخرة ولتوجيهه إلى الباطل ولما يبغضه الله ويسخطه ولإضلاله عن سبيل الله فبئست التربية هذه وبئست البرمجة، وهذا هو الغالب الأعم في قنوات التلفاز، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ [10].

وإن من الوسائل الإعلامية والتلفاز لسحرًا، ولهذا إذا كان للدولة هدف ما فإنها تحرص على تعبئة الرأي العام وتهيئته له، أي برمجة عقولهم لتتوافق مع هدف الدولة، وذلك بواسطة التلفاز، وأحيانًا تتطلب برمجة الرأي العام على برمجة معينة أن تقوم الدولة بإغلاق قنوات مضادة لهذه البرمجة، أو تسمح بظهور متحدثين يعملون على هذه البرمجة وتمنع آخرين مضادين لها. فقد صار مألوفًا أن نسمع أن هناك قنوات تتعرض للتشويش، أو أن هناك قنوات تم إقفالها، أو أن هناك شخصيات ممنوعون من الظهور؛ وهذا لكي لا تقوم بالسحر المضاد والبرمجة المضادة للبرمجة التي تريدها الدولة. وهذا موقف أسوأ بكثير مما قام به فرعون: فقد اتهم فرعون موسى عليه السلام بأنه ساحر مع أن ما لدى موسى ليس سحرًا وإنما هي آيات من الله تعالى، فاستدعى فرعون السحرة أمام الجمهور ليسحروهم ويبرمجوهم على طاعة فرعون وعبادته، ولكنه من جانب آخر كان عادلاً في سماحه لموسى باستعراض ما عنده أمام الجمهور ومبارزة السحرة به لمعرفة الغالب والمغلوب، ولم يمنع موسى من ذلك ليترك السحرة وحدهم في الميدان ينافسون بعضهم بعضًا على برمجة الجمهور على حب فرعون وتأليهه، فكانت الغلبة لموسى عليه السلام حتى أن السحرة أنفسهم آمنوا برب موسى وكفروا بفرعون فكان نصيبهم القتل والصلب.

وكيف يكون الحقد أعمى وقاتلاً؟ يقوم التلفاز بتأليب عقول الناس وتحريضهم وشحن نفوسهم على بغض قوم ما والحقد عليهم، ويواصل شحن بغضهم والحقد عليهم مع مرور الأيام مع التلميح والتحريض على التخلص منهم بالطرد أو السجن أو الضرب أو القتل وما شابه ذلك من أنواع الأذى الأخرى، إلى أن يتفجر هذا الحقد فتجد الحاقدين وقد تخلصوا من إنسانيتهم وأصبحوا وحوشًا كاسرة وحيوانات شرسة أكثر من الحيوانات الشرسة في الغابة التي تقتل لسبب وجيه هو حاجتها للأكل، أما الحاقدون فإنهم يقتلون لحاجتهم للقتل نفسه؛ فيهاجمون القوم الذين يحقدون عليهم ويعتدون عليهم بالضرب والتعذيب والقتل، وفي بعض الأحيان لا يكون القتل كافيًا لكي يشفوا غليلهم فيقوموا بالتمثيل بالجثث بالتقطيع والحرق وغير ذلك من الأعمال الوحشية، والذي لا يباشر ذلك بنفسه منهم فإنه يقوم بالتحريض بالمال أو الكلام أو الكتابة فيعين القتلة ويدفعهم إلى القتل بذلك، ويفرح ويشمت عندما يراهم مضروبين ومقتولين.. فلا شفقة ولا رحمة وقد نسوا ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ[11].

وإذا سألت هؤلاء عن سبب قيامهم بذلك ضد هؤلاء القوم وطرحت عليهم الأسئلة السابقة نفسها وهي: هل ضربوكم أو قتلوا أحد أقاربكم أو سرقوكم أو اعتدوا على نسائكم... إلخ؟ لا يملكون جوابًا لأنهم يتصرفون كالإنسان الآلي وقد تمت برمجته على الوحشية والتعطش لرؤية دماء الذين يحقدون عليهم، ولو أجابوا ستجد أن أجوبتهم سببها الحقد الأعمى القاتل الذي شُحنت قلوبهم به وبُرمجت نفوسهم عليه. وبالمناسبة أيضًا فإن هذا ما يفسر ما يتعرض له المسلمون في بلاد كثيرة من مجازر ومذابح وإبادة جماعية وسفك لدمائهم والتمثيل بجثثهم وحرقهم حقدًا قاتلاً وحشيًا، إن لله وإنا إليه راجعون، وهذا ليس قاصر على بلادٍ غير إسلامية وأقوامٍ غير مسلمين بل يشمل أيضًا البلاد الإسلامية والعربية والمسلمين الذين يقتلون إخوانهم المسلمين!. ثم تعود فتسأل وهل يُعقل أن يقتل المسلمون إخوانهم المسلمين والإسلام يحرم هذا أشد التحريم والله عزَّ وجلَّ يقول: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا[12]؟! والجواب نعم...! هناك مسلمون يقتلون إخوانهم المسلمين حيث يبلغ الحقد أعلى درجاته بحيث لا يشفي غليل الحاقدين إلا القتل، وهو ما يقع من القتل في عدد من البلدان على أساس المذهب، أو بسبب السياسة والسلطة والمناصب، أو بسبب المال وغير ذلك من الأسباب الدنيوية في نسيان تام لوجود موت وآخرة ووقوف بين يدي رب العالمين وحساب وكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، قال الله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا[13].

وختامًا أسأل الله تعالى أن يطهر قلوبنا من الحقد والحسد، وأن يقينا شر الحاقدين ويدفعهم عنا، وأن يجعل لدينا مناعة ضد تأثير سحرة التلفاز والوسائل الإعلامية الأخرى، وأن يوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علَّمنا، وأن ينفع بنا غيرنا من المسلمين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا.

عدنان الطَرشَة


[1] مسلم 32.

[2] مسلم 1/78.

[3] رجل نصراني بدأ العمل في مؤسسة صاحبها مسلم فأسكنته في السكن التابع لها. وبعد أيام قليلة أخذ النصراني يشتكي أنه كلما دخل إلى غرفته يشعر بالاكتئاب وضيق النفس وكأن هناك كابوسًا جاثمًا على صدره. وبعد سماع أقواله تبين ان السبب كان في صورة للكعبة المشرفة معلقة على الجدار في غرفته التي كلما دخل إليها أو رقد على سريره رأى صورة الكعبة أمامه. فهذه إحدى القصص الواقعية على برمجة أطفال النصارى منذ الصغر على الحقد على المسلمين وعلى كل ما يمت أو يشير أو يرمز إليهم ولو كان صورة الكعبة أو المسجد أو صورة آية قرآنية أو حتى كلمة (الله أكبر) التي تعلمها ذات مرة طفل نصراني ورآها مكتوبة على اللوحات فأحب تقليد ذلك فكتبها في بيته فلما رآها أبوه نهره بعنف وأمره أن يزيلها ومنعه من كتابتها  أو من قولها مرة أخرى موضحًا له أنها خاصة بالمسلمين، وأمره أن يقول أو يكتب بدلاً منها: (الله كبير).

[4] البخاري 1319.

[5] سورة آل عمران، الآية: 19.

[6] سورة آل عمران، الآية: 85.

[7] مسلم 6.

[8] سورة الإسراء، الآية: 36.

[9] البخاري 4851.

[10] سورة الأنعام، الآية: 116.

[11] سورة الشعراء، الآيتان: 88-89.

[12] سورة النساء، الآية: 93.

[13] سورة الكهف، الآية: 49.